ابن قتيبة الدينوري
43
الإمامة والسياسة ( بيروت )
ثم قال : إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه ، وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما ، وإن استقر ثلاثة واختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد اللَّه ، فلأي الثلاثة قضى فالخليفة منهم وفيهم [ ( 1 ) ] ، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم ، فقالوا : قل فينا يا أمير المؤمنين مقالة نستدل فيها برأيك ونقتدي به . فقال : واللَّه ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك ، مع أنك رجل حرب . وما يمنعني منك يا عبد الرحمن 45 إلا أنك فرعون هذه الأمة . وما يمنعني منك يا زبير إلا أنك مؤمن الرضا ، كافر الغضب . وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره ، ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته . وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك وحبك قومك وأهلك ، وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها ، وإنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين . والصراط المستقيم . أوصي الخليفة منكم بتقوى اللَّه العظيم ، وأحذره مثل مضجعي هذا ، وأخوفه يوما تبيض فيه وجوه وتسود وجوه ، يوم تعرضون على اللَّه لا تخفى منكم خافية ، ثم غشي عليه حتى ظنوا أنه قد قضى فجعلوا ينادونه ولا يفيق من إغمائه ، فقال قائل : إن كان شيء ينبه فالصلاة ، فقالوا : يا أمير المؤمنين الصلاة ، ففتح عينيه فقال : الصلاة ها أنا ذا ، ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، فصلّى وجرحه يثعب دما [ ( 2 ) ] ، ثم التفت إليهم وقال : قد قومت لكم الطريق فلا تعوجوه ، ثم التفت إلى علي بن أبي طالب ، فقال : لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول اللَّه ، وما آتاك اللَّه من العلم والفقه والدين فيستخلفوك ، فإن وليت هذا الأمر فاتق اللَّه يا علي فيه ، ولا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ، ثم التفت إلى عثمان فقال : يا عثمان ، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول اللَّه وسنك وشرفك وسابقتك فيستخلفوك ، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس . ثم دعا صهيبا فقال : يا صهيب ، صلّ بالناس ثلاثة أيام ، ويجتمع هؤلاء النفر ويتشاورون بينهم [ ( 3 ) ] : اخرجوا عني ، اللَّهمّ ألفهم واجمعهم على الحق ، 46 ولا تردهم على
--> [ ( 1 ) ] زيد في رواية عند الطبري وابن الأثير : فإن لم يرغبوا بحكم عبد اللَّه بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف . ( وانظر ابن سعد 3 / 61 ) . [ ( 2 ) ] يثعب دما : يتفجر دما . [ ( 3 ) ] زيد عند الطبري ، وابن الأثير وابن سعد : أنه قال لأبي طلحة الأنصاري : يا أبا طلحة إن اللَّه طالما أعز بكم الإسلام فاختر خمسين رجلا فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم .